لبنان بين سندان العقوبات الاميركية ومطرقة الضغوطات الاوروبية

لم يمر يوم واحد في السنوات الماضية، الا وكانت الادارة الاميركية، ممثلة بوزراء خارجيتها ومساعديهم لشؤون الشرق الاوسط وسفرائها المعتمدين في بيروت، من الذين تعاقبوا على رأس هذه المواقع، الا وذكرت فيه لبنان الرسمي بسلسلة من المواقف التي يتوجب على الحكومة اللبنانية مماهاتها فيها، لا بل قل، الانصياع اليها واعتبارها خطة طريق تنفذ من دون اعتراض، بدءا بوجوب الالتزام بسياسة النأي بالنفس في الصراعات السياسية من حولنا، الى ضرورة اعادة مقاتلي حزب الله المتواجدين في الاقليم الى داخل الحدود اللبنانية، الى ضبط الحدود الجنوبية والمحافظة على هدوء المنطقة صونا لأمن الكيان الاسرائيلي، الى المطالبة بإكمال ترسيم الحدود البرية والبحرية مع هذا الكيان، وغيرها الكثير من المطالب المعلنة والمستترة، واخطر ما هو مطروح من بينها، تحجيم دور حزب الله السياسي الداخلي، على الرغم من تمثله بكتلة نيابية وازنة في المجلس النيابي، وتمثيله الفعلي لشريحة كبيرة ومهمة من اللبنانيين.
وصلت التحذيرات الاميركية الى حدود التهديد بفرض عقوبات اقتصادية تطال اول ما تطاله القطاع المصرفي في لبنان، وتخرجه من المنظومة المصرفية العالمية، لا بل عمدت ادارة الرئيس دونالد ترامب، وفي تواريخ منفصلة ومتتابعة، الى تنفيذ جزء من تهديداتها، فحظرت التعامل مع بعض الكيانات الاقتصادية والشخصيات اللبنانية، وكان البنك اللبناني الكندي الضحية الاولى لهذه التهديدات، لتعود معظم المصارف اللبنانية ومعها المصرف المركزي الى الالتزام بما يملى عليهم من وراء البحار، تحت ستار محاربة الارهاب وتجفيف منابع تمويله، ومراقبة حركة التحويلات المالية من والى لبنان، حتى ان بعض المصرفيين، استشرفوا ان ازمة كبيرة تلوح في الافق، فعمدوا وعلى دفعات الى تحويل الاموال الخاصة بهم وقسما كبيرا من الودائع في مصارفهم الى الخارج، خصوصا للحسابات التي هي بالدولار الاميركي، فتفاقمت الازمة المالية والنقدية في لبنان، ووصلت الى ما هي عليه اليوم.
يمكن القول ان المشكلة الاميركية في مواجهة حزب الله، تتمثل بالدور المؤثر الذي بات يلعبه في لبنان داخليا وانطلاقا من لبنان خارجيا، وهو دور لا يتوافق ورؤيتهم الاستراتيجية للمنطقة، واهم نقاطها ضرب النفوذ الايراني الذي بلغ سواحل المتوسط. لم يوفر الاميركيون وسيلة ضغط الا ومارسوها على لبنان الرسمي، وهذا الضغط تدرج في التصاعد، الى حدود تفجر الازمة المالية والنقدية كما اوردنا، والتي بات الجميع رهينة اضرارها على كل المستويات.
ولم يتوان الاميركيون عن ممارسة ضغوط دبلوماسية ايضا على دول الاتحاد الاوروبي وعلى المؤسسات المالية الكبرى في العالم، من اجل مماشاتهم في سياساتهم تجاه لبنان، وحالوا في اكثر من مناسبة دون توفير اي جرعة دعم اوروبية للاقتصاد اللبناني المتهالك، وهم لا يجدون حرجا ان يؤكدوا علنا، ان جل اهتمامهم في لبنان ينحصر حاليا، في عدم ضرب الاستقرار الامني فيه، من خلال دعمهم المتواصل للجيش اللبناني الضامن الوحيد لعدم تفلت الامور داخليا عبر الاحتجاجات الشعبية القائمة، ومن خلال دعمهم لسياسات المصرف المركزي المتوافقة مع رؤيتهم، والملتزمة بالقرارات الصادرة عن الخزينة الاميركية.
وفي سياق متصل، يلعب الاوروبيون بخفر وعلى رأسهم فرنسا في داخل الاتحاد الاوروبي، دورا يهدف الى عدم السماح بالسقوط النهائي لبنان في مستنقع ازماته،
فسمحوا في الفترة الماضية، بإيصال بعض المساعدات التي تدعم وزارة الصحة اللبنانية، في مجابهة ازمة وباء كورونا، وهم مرروا ويمرروا رسائل مباشرة وبالواسطة الى السلطات اللبنانية، ان للحصول على مساعدات اقتصادية وتسييل مقررات مؤتمر “سيدر”، يتوجب القيام بالعديد من الخطوات كمحاربة الفساد وايقاف الهدر والقضاء على الكثير من الآفات التي تضرب الجسد اللبناني وتنهش فيه منذ عشرات السنين، لدرجة انهما وصلوا الى التلويح بضرورة التحقيق في مصير المساعدات الاوروبية السابقة للبنان، وكيفية استعمالها، وضرورة ان تسترد الدولة اللبنانية ما صرف عن غير وجه حق، وفي مفهومهم ان هذه الاموال انما جمعت في بلادهم من دافعي الضرائب وليس من المسموح ان تذهب هدرا لمصلحة هذا السياسي في لبنان او ذاك . يرفع الاوروبيون الصوت عاليا، مطالبين الحكومة اللبنانية بالإسراع في تنفيذ الاصلاحات المطلوبة على أكثر من صعيد، وهم يدركون، ان ما يطلبونه هو من سابع المستحيلات في بلد تتحكم فيه ارادات خارجة عن مصلحته الحقيقية، وهو لم يكن يوما صاحب سيادة واستقلال تام وناجز كباقي الدول. لكنهم، وفي مطلق الاحوال، يرون للبنان ان يستمر بلعب دور المستودع الذي حل فيه نحو 350 الفا من اللاجئين الفلسطينيين ضيوفا منذ اربعينيات القرن الماضي, واضيف اليهم مليون ونصف مليون نازح سوري منذ العام 2011، بالرغم من الضغط المعيشي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي على وضع البلد المتهالك.
وفي الآونة الاخيرة، تسربت معلومات تشي بان مشاورات تجرى حاليا بين الدول المانحة ومعظمها دول اوروبية، وبين الخزانة الأميركية لإصدار بيان يكون شديد اللهجة إزاء المستجدات اللبنانية، برغم وجود خلاف بالرأي في إزاء مستوى الحدة المطلوبة في التعامل مع الملف اللبناني، ما قد يؤشر الى مقدمة لتعامل دولي أكثر حزماً مع الحكومة اللبنانية الحالية، يبدأ بلهجة تحذيرية إزاء محاولاتها التغطية على دور “حزب الله” الهادف الى إحكام قبضته على المؤسسات الرسمية بحسب نظرتهم للأمور، وقد يصل الامر إلى حدود إصدار حزمة عقوبات أميركية جديدة أشد وطأة على الحزب وحلفائه وبالتالي على لبنان بكل مكوناته.
وفي الخلاصة، بين سندان الاميركي الذي يطالب بصورة غير مباشرة برأس حزب الله، وبين مطرقة الاوروبيين المتماهين بالخفاء مع المطلب الاميركي، فيرفعون الصوت للتورية، منادين بوجوب تنفيذ رزم قاسية من الاصلاحات، تجد الحكومة اللبنانية ومن خلفها الشعب اللبناني بأكمله، نفسها غارقة في ازمة سياسية واقتصادية لا افق لحلول سريعة لها، بالرغم من الايحاء بإطلاق خطة انقاذ اقتصادية، وبالرغم من الاتصالات الجارية مع صندوق النقد الدولي لمناقشة حاجات لبنان الملحة للإنقاذ، وبالرغم من الادعاء ان عجلة الاصلاحات انطلقت، وان المحاسبة آتية.
ففي لبنان اليوم، لا يسمع الا صوت آت من الخارج يقول:” مرتا… مرتا. تتلهين بأمور كثيرة والمطلوب واحد”.

تهمّنا آراؤكم، لذا نتمنى على القرّاء التقيّد بقواعد التعليقات التالية لتجنّب عدم نشرها: أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال. أن يقدّم فكرة جديدة أو رأياً جدّياً ويفتح باباً للنقاش البنّاء. أن لا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم. أن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية. أن لا يتعدّى عدد كلمات نص التعليق الـ 200 كلمة. لا يسمح بتضمين التعليق أية دعاية تجارية او من اي نوع كان. يحق "للبوابة اللبنانية للانباء" استخدام التعليقات المنشورة على الموقع على الشكل الذي تراه مناسبا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

× Whatsapp Us